محمد رأفت سعيد
80
تاريخ نزول القرآن الكريم
هو الذي خلقه من العلقة ، وعلمه بعد الجهل ؛ وذلك لأنه عن صيرورته غنيا يطغى ويتكبر ويصير مستغرق القلب في حب الدنيا ، فلا يتفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها . والوجه الثالث : ذكره الجرجاني صاحب النظم وهو : أن ( كلا ) . هاهنا بمعنى حقا لأنه ليس قبله ولا بعده شئ تكون ( كلا ) ردا له ، وهذا كما قالوه في كَلَّا وَالْقَمَرِ ( 32 ) [ المدثر ] فإنهم زعموا أنه بمعنى « إي والقمر » والطغيان هو التكبر والتمرد ، وتصبح العلاقة بعد هذا البيان بين الآيات أن الله تعالى لما ذكر في مقدمة السورة دلائل ظاهرة على التوحيد والقدرة والحكمة ؛ بحيث بعد من العامل ألا يطلع عليها ولا يقف على حقائقها اتبعتها بما هو السبب الأصلي في الغفلة عنها وهو حب الدنيا ، والاشتغال بالمال والجاه والثروة والقدرة ، فإنه لا سبب لعمى القلب في الحقيقة إلا ذلك ، وخاصة عندما نعلم أن معنى : ( استغنى ) أن الإنسان رأى نفسه إنما نالت الغنى ؛ لأنها طلبته وبذلت الجهد في الطلب فنالت الثروة والغنى بسبب ذلك الجهد لا أنه نالها بإعطاء الله وتوفيقه وهذا من الحماقة والجهل بحقائق الأمور ، فكم من باذل وسعه في الحرص والطلب وهو يموت جوعا . ولذلك فإن الطغيان يأتي نتيجة هذا المفهوم الخاطئ للغنى ، وأما المفهوم الصحيح الذي يسعى فيه المؤمن سعيا نشيطا وهو مستعين بالله ومتوكل عليه ويعلم أن رزقه بيديه فإنه يزداد بالغنى شكرا وتواضعا وهكذا كان حال الأنبياء كسليمان عليه السّلام . ومن المبادئ والقيم التي أرستها الآيات الأولى من التنزيل والتي تسهم في تأسيس الأفراد والأمم : المبدأ الأول : أن الأمر لله سبحانه وكان الأمر الأول منه اقرأ ؛ فالقراءة إذن أساس عظيم من أسس البناء الفردى والجماعي . المبدأ الثاني : أن الخلق له سبحانه فهو الذي خلق وخلق الإنسان من علق ، ويرتبط بهذا المبدأ مبدأ آخر وهو النظر والتأمل ، فذكر الخلق بصورة عامة والتخصيص في خلق الإنسان من علق - دعوة إلى النظر والتأمل في الخلق والآفاق ، وفي النفس ، وفي امتزاج الأمر والخلق في الآيات الكريمة توجيه إلى ضرورة تحقيق الجانبين ، ومقتضياتهما في نفس الإنسان ، فنظره وتأمله في الخلق والنفس يملأ قلبه حبا وتعظيما للخالق البارئ المصور سبحانه ، ويهيئ القلب للاستجابة لأمر الآمر النّاهى جل شأنه .